ابن عربي
55
مجموعه رسائل ابن عربي
وينبغي له أيضا : أن يتجنب المسكر من الشراب ، فإن السكر يهيج النفس الغضبية أكثر مما يهيج الشهوانية ، وبذلك ربما يسرع إلى العربدة ، والوثوب على جلسائه ، والاستخفاف بهم وسبهم ، وذكر أعراضهم ، بعد أن كان يتحنن عليهم ، ويتودد إليهم . ولا يكون بين الوقتين إلّا بمقدار ما يستحكم عليه السكر ، فالسكر مثير للقوة الغضبية ، ومقولها ، فمن أراد أن تسكن نفسه الغضبية ، فلا بد أن يتجنب المسكر . وإن تمكن من هجران الشراب البتة ، فهو أصلح لقهر النفس الغضبية والشهوانية - جميعا . وينبغي لمن أراد تذليل قوته الغضبية والشهوانية أن يستعمل في جميع ما يفعله الفكر ، ولا يقدم على الشيء إلّا بعد أن يتروي فيه ، ويجعل الفكرة واتباع الرأي ديدنه وعادته ، فإن الرأي وجودة الفكر ، يقبحان له السفه وسرعة الغصب ، والانهماك في الشهوات ، واتباع اللذات ، فإذا استقبح ذلك أحجم عنه ، وعدل إلى ما يقتضيه الرأي والفكر ، وإن لم يرتدع بالكلية ، فلا بد أن يؤثر ذلك فيه ، فيقتصر عما يريد الشروع فيه . وملاك الأمر في « تهذيب الأخلاق » وضبط النفس الشهوانية والنفس الغصبية هي تقوية النفس الناطقة فإن بهذه النفس تكون جميع السياسات . وهذه النفس إذا قويت متمكنة من صاحبها أمكنة : إن يسوس بها قوتيه الباقيتين ، ويكف نفسه عن جميع القبائح ، ويتبع أبدا مكارم الأخلاق ، وإذا لم تكن هذه النفس قوية في صاحبها ، وكانت مقهورة خافتة ، فأول ما ينبغي أن يعتمده في سياسة أخلاقه أن يروض هذه ويقويها ، وتقوية هذه النفس إنما يكون بالعلوم العقلية ، فإنه إذا نظر في العلوم العقلية ودقق النظر فيها ودرس كتب الأخلاق والسياسة ،